القائمة الرئيسية

 صفحة البداية

كتاب الربَا

كتاب الرهن

كتاب الكفالة

كتاب السلم

كتاب الشركات

كتاب البيوع

عن السكربت

 

الفقه الاسلامي

 

فهرس البيع

تعريف البيع

مشروعية البيع

ركن البيع أو كيفية انعقاده

بيع المعاطاة

صفة الإيجاب والقبول - الكلام في خيار المجلس

شروط البيع

شروط الإيجاب والقبول

مبدأ وحدة الصفقة وتفريقها

شروط صحة البيع

حقوق البيع التابعة للحكم

الثمن والمبيع

معنى التسليم أو القبض وكيفية تحققه

بيع الدين

حكم التأمين مع شركات التأمين في الإسلام

بيع النجس والمتنجس

بيع العربون

بيع الماء

المطلب الثاني- أنواع البيع الفاسد

بيع المجهول

البيع المعلق على شرط والبيع المضاف

بيع العين الغائبة أو غير المرئية

بيع الأعمى وشراؤه

البيع بالثمن المحرّم

البيع نسيئة ثم الشراء نقداً- بيوع الآجال

بيع العنب لعاصر الخمر

البيعتان في بيعة أو الشرطان في بيع واحد

بيع الأتباع والأوصاف مقصوداً

بيع الشيء المملوك قبل قبضه من مالك آخر

اشتراط الأجل في المبيع المعين والثمن المعين

البيع بشرط فاسد

بيع الثمار أو الزروع

حكم البيع الفاسد :

1-خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه

2- خيار النقد

3- خيار التعيين

4- خيار الغبن

5- خيار كشف الحال

6- خيار الخيانة

7- خيار تفرق الصفقة

8- خيار إجازة عقد الفضولي

9- خيار تعلق حق الغير بالمبيع

10- خيار الكمية للبائع

11- خيار الاستحقاق

12- خيار الشرط

13- خيار العيب

14- خيار الرؤية

      حكم البيع الفاسد :

      سنذكر حكم البيع الفاسد وما يلحق به من الكلام في التصرف بالمبيع، وفسخ المشتري شراء فاسداً، والزيادة في المبيع بيعاً فاسداً.

      للبيع الفاسد عند الحنفية أحكام، منها : أن البيع ينعقد بقيمة المبيع أو بالمثل، لا بالثمن المسمى، ويفيد الملك في المبيع بالقبض، لأن ذكر الثمن المرغوب كالخمر مثلاً، أو إدخال شرط فاسد، أو وجود الجهالة في الثمن ونحوها، دليل على أن غرض المتعاقدين البيع، فينعقد بيعاً بقيمة المبيع باعتبار أن القيمة هي الواجب الأصلي في المبايعات، لأنها مثل المبيع في المالية. ويكون المبيع ببيع فاسد مضموناً في يد المشتري يلزمه مثله إن كان مثلياً، والقيمة إن كان قيمياً.

      وعند جمهور الفقهاء : لا ينعقد البيع الفاسد، ولا يفيد الملك أصلاً، وإن قبض المشتري المبيع، لأن المحظور لا يكون طريقاً إلى الملك، ولأن النهي عن البيع الفاسد يقتضي عدم المشروعية، وغير المشروع لا يفيد حكماً شرعياً.

 

      ويشترط في البيع الفاسد لإفادة الملك عند الحنفية شرطان :

      1- القبض : فلا يثبت الملك قبل القبض، لأنه واجب الفسخ رفعاً للفساد، وفي التسليم تقرير الفساد، كما بينا.

      2- أن يكون القبض بإذن البائع : فإن قبض بغير إِذنه أصلاً لا يثبت الملك، وذلك بأن نهاه عن القبض أو قبض بغير محضر منه من غير إذنه.

      فإِن لم ينهه عن القبض ولا أذن له في القبض صريحاً، فقبضه في مجلس العقد بحضرة البائع، أنه يثبت الملك، وهو الصحيح لأن ذلك إذن منه بالقبض دلالة، كما في باب الهبة إذا قبض الموهوب له بحضرة الواهب، فلم ينهه، صح قبضه، ولأن البيع تسليط من البائع على القبض، فإذا قبضه المشتري بحضرة البائع، كان بحكم التسليط السابق.

     

      التصرف في المشترى شراء فاسداً :

      من أحكام البيع الفاسد : أن المشتري بعد قبض المبيع يملك التصرفات الناقلة للملكية التي تتعلق بعين الشيء، وتكون نافذة مثل البيع والهبة والصدقة والرهن والإجارة، لأن هذه التصرفات تزيل حق الانتفاع بالحرام، ولكن الصحيح عند الحنفية أن هذه التصرفات تكون مكروهة لأنه يجب فسخ العقد الفاسد لحق الشرع، وفي هذه التصرفات إبطال أو تأخير لحق الفسخ، فتكره.

      وأما التصرفات التي تتعلق بعين الشيء، في الانتفاع بالعين كأكل الطعام ولبس الثوب وركوب الدابة وسكنى الدار، فلا تباح للمشتري شراء فاسداً، لأن الثابت بالبيع الفاسد ملك خبيث، والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع، لأنه واجب الرفع والبطلان، وهذا هو الصحيح عند الحنفية.

     

      ما يبطل حق الفسخ :

      1- التصرف الواقع على المشترى شراءً فاسداً :

      من المعروف أن الملك الثابت في البيع الفاسد ملك غير لازم، بل هو مستحق الفسخ، ويحق لكل من العاقدين قبل القبض فسخ العقد من غير رضا الآخر، كيفما كان الفساد، كما يحق لهما الفسخ بعد القبض إذا كان الفساد راجعاً إلى العوض، كأن يكون الثمن خمراً أو خنزيراً.

 

      هذا بالنسبة لأصل التصرف الفاسد، فهل يبطل حق الفسخ بسبب التصرف الواقع بعد القبض على المشترى شراء فاسداً ؟ فيه تفصيل.

      1- إن كان التصرف مزيلاً للملك من كل وجه كالبيع والهبة، فلا يفسخ (أي أن حق الفسخ في البيع الفاسد يبطل) وعلى المشتري القيمة أو المثل، لأنه تصرف في محل مملوك له، فنفذ تصرفه.

      2- وإن تصرفاص مزيلاً للملك من وجه، أو ليس مزيلاً للملك :

      فإن كان التصرف يحتمل الفسخ، كالإِجارة فإنه يفسخ، لو آجر رجل الشيء، حقَّ للمالك الأول فسخ الإجارة، ثم يفسخ البيع بسبب الفساد، لأن الإجارة وإن كانت عقداً لازماً، إلا أنها تفسخ بالعذر، ولا عذر أقوى من رفع الفساد.

      ولو أوصى شخص بالمبيع بيعاً فاسداً، صحت الوصية، ويجوز فسخها مادام الموصي حياً، لأن الوصية تصرف غير لازم حال حياة الموصي.

      فلو مات الموصي قبل الفسخ، سقط حق الفسخ، لأن الملك انتقل إلى الموصى له، كما ينتقل بالبيع.

      ويلاحظ أن حق الفسخ يورث، فلو مات المشتري شراء فاسداً فورثه الورثة، فيحق للبائع الفسخ، وكذا الورثة، لأن الوارث يقوم مقام الميت في حق الفسخ، وكذا يحق لورثة البائع إن مات أن يطالب ورثته باسترداد المبيع.

 

      2- الزيادة في المبيع بيعاً فاسداً :

      إذا حدثت زيادة في المبيع بيعاً فاسداً، فإما أن تكون زيادة منفصلة أو متصلة :

     

      1- الزيادة المتصلة : الزيادة المتصلة إما أن تكون متولدة من الأصل أو غير متولدة.

      آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالسمن والجمال، فلا تمنع الفسخ، لأن هذه الزيادة تابعة للأصل حقيقة، والأصل مضمون الرد، فكذلك التبع، كما في الغصب.

      ب- وإن كانت غير متولدة من الأصل كخلط الدقيق بالسمن أو العسل، فإنها تمنع الفسخ لأنه لو فسخ إما أن يفسخ على الأصل وحده أو على الأصل والزيادة معاً، ولا سبيل إلى الأول لتعذر الفصل، ولا سبيل إلى الثاني، لأن الزيادة لم تدخل تحت البيع، لا أصلاً ولا تبعاً، فلا تدخل تحت الفسخ.

 

      2- الزيادة المنفصلة : هذه الزيادة أيضاً إِما متولدة من الأصل أو غير متولدة منه.

      آ- فإن كانت متولدة من الأصل كالولد واللبن والثمرة، فلا تمنع حق الفسخ، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة تابعة للأصل، لكونها متولدة منه، والأصل مضمون الرد، فكذلك الزيادة، كما هو المقرر في حالة الغصب.

      ب- وإن كانت غير متولدة، كالهبة والصدقة والكسب، فإنها لا تمنع الرد، وللبائع أن يسترد الأصل مع الزيادة، لأنها حصلت على ملكه، إلا أنها لا تطيب له، لأنها لم تحدث في ضمانه، بل في ضمان المشتري.

      والخلاصة : أن الزيادة المتصلة غير المتولدة : هي التي تبطل حق الفسخ فقط دون غيرها من أنواع الزيادة. ولا تضمن الزيادة بالهلاك، وتضمن بالاستهلاك.

      وكذلك الزيادة بالصنع تبطل حق الفسخ : وهي أن يحدث المشتري في المبيع بيعاً فاسداً صنعاً، لو فعله الغاصب في المغصوب يصير ملكاً له، كما إذا كان المبيع قطناً، فعزله، أو غزلاً فنسجه، أو حنطة فطحنها، أو سمسماً أو عنباً فعصره، أو ساحة فبنى عليها، أو شاة فذبحها وشواها أو طبخها ونحوها، إذ القبض في البيع الفاسد كقبض الغصب، لأن كل واحد منهما مضمون الرد حال قيامه، ومضمون القيمة أو المثل حال هلاكه، فكل ما يبطل حق المالك في الغصب يبطله في البيع. وحينئذ يلزم المشتري بدفع قيمة الشيء المبيع يوم القبض، كما في الغصب.

      وعلى هذا فليس للبائع المطالبة بنقض البناء الذي بناه المشتري في الأرض المبيعة بيعاً فاسداً، وإنما على المشتري قيمتها، هذا قول أبي حنيفة رضي الله عنه.

      وأما نقصان المبيع بيعاً فاسداً فلا يمنع البائع من الاسترداد، سواء حصل النقص بآفة سماوية أو بفعل المبيع أو بفعل المشتري، فإن حصل بفعل أجنبي، فالبائع بالخيار : إن شاء أخذ قيمة النقص من المشتري يرجع به على الجاني، وإن شاء طالب الجاني وهو لا يرجع على المشتري.

 

      1- خيار الوصف، أو خيار فوات الوصف المرغوب فيه :

      هو أن يكون المشتري مخيراً بين أن يقبل بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع حيث فات وصف مرغوب فيه، في بيع شيء غائب عن مجلس العقد. مثاله أن يشتري شيئاً يشترط فيه صفقة معينة غير ظاهرة، وإنما تعرف بالتجربة، ثم يتبين عدم وجودها، أو يشتري بقرة على أنها حلوب، فظهرت غير حلوب، أو يشتري جوهرة على أنها أصلية، فظهرت أنها تقليد صناعي للأصلية، فيكون المشتري مخيراً إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أخذ المبيع بجميع الثمن المسمى، لأن هذا وصف مرغوب فيه، يستحق في العقد بالشرط، فإذا فات أوجب التخيير، لأن المشتري ما رضي به دونه، فصار كفوات وصف السلامة.

      وأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية : فهو لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، لكونها تابعة في العقد.

      ودليل مشروعيته الأخذ باستحسان المصلحة على خلاف القياس. ويعده الشافعية والحنابلة داخلاً في خيار العيب.

 

      وشروطه ثلاثة :

      1- أن يكون الوصف المشروط مباحاً شرعاً : فإذا كان حراماً لم يصح.

      2- أن يكون الوصف مرغوباً فيه عادة : فإذا لم يكون مرغوباً فيه في العرف، لغا الشرط، وصح البيع، ولا خيار، مثل وصف الذكورة والأنوثة في الحيوانات، فمن اشترى شيئاً على أنه ذكر فإذا هو أنثى، صح البيع ولم يثبت الخيار.

      3- ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤدياً إلى جهالة مفضية للمنازعة، فإن فعل فسد البيع والشرط، كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلاً يومياً، فهذا شرط فاسد، لأنه لا يمكن ضبطه.

 

      أحكام هذا الخيار :

      أ- يورث خيار الوصف، فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف، فظهر المبيع خالياً من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ.

      ب- إذا تصرف المشتري الذي له خيار الوصف بالمبيع تصرف الملاك، بطل خياره.

      جـ- يثبت للمشتري الحق في فسخ البيع أو استبقاء المبيع بجميع الثمن، فإن هلك المبيع أو تعيب في يده، فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات الوصف المرغوب فيه، ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف، وبدون الوصف، ويضمن المشتري الفرق بينهما.

      2- خيار النقد :

      هو فرع عن خيار الشرط، وهو أن يشترط المتبايعان في عقد البيع بالنسيئة أن المشتري إذا لم يدفع الثمن في الأجل المعين، وهو ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما. فإن اشترى على هذا النحو على أنه إن لم ينقد (يدفع) الثمن إلى أربعة أيام، لم يصح خلافاً لقول في المذهب لأن هذه هي المدة المشروعة في خيارالشرط. ورأعى محمد مصلحة العاقدين في اشتراطه إلى أي مدة كانت.

      فإن نقد في مدة الثلاثة الأيام، جاز باتفاق الحنفية، لأن خيار النقد ملحق بخيار الشرط. وهو جائز أيضاً عند الحنابلة كشرط الخيار، لكن ينفسخ البيع عندهم إن لم ينقد المشتري الثمن في المدة أو هو أن يشترط البائع على المشتري أنه إذا رد الثمن إلى المشتري في مدة ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، فله وجهان إذاً.

      والفرق بينه وبين خيار الشرط : أن الأصل في خيار الشرط اللزوم، فإذا انتهت المدة المشروطة دون فسخ، لزم. أما خيار النقد فالأصل فيه عدم اللزوم، فإذا لم ينقد الثمن في الثلاث فسد البيع إذا بقي المبيع على حاله، ولا ينفسخ، بدليل أن المشتري يتملك المبيع بالقبض. وعند الحنابلة : ينفسخ البيع.

 

      حكم سقوطه :

      1- إذا مات المشتري المخير بخيار النقد في أثناء مدة الخيار، بطل البيع.

      2- إذا تصرف المشتري بالمبيع بالبيع ونحوه في مدة الخيار، قبل أن ينقد الثمن، سقط خياره، وصح بيعه ولزم، ولزم المشتري نقد الثمن.

      3- إذا أتلف المشتري أو الأجنبي المبيع في مدة الخيار بعد القبض، سقط به الخيار، للعجز عن الرد.

      4- إذا أحدث المشتري في المبيع عيباً يمنع رده للبائع، ولم ينقد الثمن، سقط الخيار، ويخير البائع حينئذ بين أخذ المبيع ناقصاً، ولا شيء له من الثمن، وبين تركه وأخذ الثمن.

 

      3- خيار التعيين :

      هو أن يتفق العاقدان على تأخير تعيين المبيع الواجب التعيين إلى أجل، على أن يكون حق تعيينه لأحدهما، مثل أن يشتري أحد ثوبين أو ثلاثة غير معين على أن يأخذ أيهما شاء، على أنه بالخيار ثلاثة أيام.

      وله وجهان كخيار النقد : إما أن يأخذ المشتري أحد الأشياء المبيعة بالثمن الذي بينه له البائع لكل واحد، أو يعطي البائع أي واحد أراد من الأشياء المعينة، وله أن يلزم المشتري به إلا إذا تغيب فلا يلزمه إلا بالرضا. ولو هلك أحدهما كان له أن يلزمه بالباقي.

      وقد أجازه الحنفية استحساناً لحاجة الناس إليه، بالرغم من الجهالة، عملاً بالمصلحة والعرف للحاجة إلى اختيار ما هو الأوفق والأرفق، وأبطله الشافعية والحنابلة للجهالة.

      والأصح عند الحنفية أنه لا يشترط اقترانه بخيار الشرط، وإنما يجوز للعاقدين ذلك.

 

      شروطه : اشترط الحنفية لهذا الخيار شروطاً هي ما يأتي :

      1- أن يكون التخيير على شيء ما اثنين أو ثلاثة فقط : فإذا كان على شيء من أربعة لم يجز، لأن الحاجة في الثلاثة، لانقسام الأشياء إلى جيد ووسط ورديء.

      2- أن يوافق البائع صراحة على خيار التعيين : بأن يقول للمشتري : بعتك أحد الشيئين أو الثلاثة على أنك بالخيار في واحد منها، فإن لم يوافق على ذلك، فسد البيع للجهالة.

      3- أن يكون البيع في القيميات كأنواع الألبسة والمفروشات، لا في المثليات كالكتب المطبوعة الجديدة، لعدم الفائدة في التخيير بينها لعدم تفاوتها.

      4- أن تكون مدته كمدة خيار الشرط : وهي ثلاثة أيام عند أبي حنيفة، وأي مدة معلومة كانت على قول آخر في المذهب.

 

      أحكامه :

      أ- يلزم البيع في واحد غير معين من أفراد المبيع المتفق عليها، ويلزم صاحب الحق الخيار أن يعين الشيء الذي يأخذه في انقضاء المدة التي عينت ودفع ثمنه.

      ب- يورث هذا الخيار عند الحنفية، بخلاف خيار الشرط، فلو مات من له الخيار قبل التعيين، يكون الوارث مجبراً أيضاً على تعيين أحد المبيعات ودفع ثمنه.

      جـ- هلاك أو تعيب أحد الأشياء أو كلها :

      إذا هلك أحد المبيعين تعين الآخر مبيعاً، وكان الباقي أمانة في يد المشتري. وإذا هلك المبيعان معاً، ضمن المشتري نصف ثمن كل منهما لعدم التعيين، وإن هلك المبيعان على التعاقب، تعين الأول مبيعاً. فلو اختلف العاقدان في الهالك أولاً، فالقول للمشتري بيمينه، وبينة البائع أولى.

      والتعيب كالهلاك في الأحوال المذكورة. ولو باع المشتري المبيعين ثم اختار أحدهما، صح بيعه فيه. والمبيع مضمون بالثمن، وغيره أمانة.

      4- خيار الغبن :  

      هذا الخيار مشروع عند الحنفية إذا اشتمل الغبن على تغرير، فيسمى خيار الغبن مع التغرير : وهو أن يغرر البائع المشتري أو بالعكس تغريراً قولياً وهو التغرير في السعر، أو تغريراً فعلياً وهو التغرير في الوصف، ويكون الغبن فاحشاً : وهو ما لا يدخلتحت تقويم المقومين. أما الغبن اليسير : وهو ما يدخل تحت تقويم المقومين، فلا يؤثر، إذ لا يتحقق كونه زيادة، أما الفاحش فزيادته متحققة. فيثبت حينئذ حق إبطال العقد دفعاً للضرر عنه.

      والتغرير القولي في السعر : كأن يقول البائع أو المؤجر للمشتري أو للمستأجر : يساوي هذا الشيء أكثر ولا تجد مثله، أو دفع لي فلان فيه كذا، وكل ذلك كذب.

      والتغرير الفعلي في الوصف : يكون بتزوير وصف في محل العقد يوهم المتعاقد في المعقود عليه مزية ما غير حقيقية، كتوجيه البضاعة المعروضة للبيع، بجعل الجيد منها في الأعلى، وجعل الرديء منها في الأسفل. ومنه التصرية : جمع اللبن في الضرع، وهي حرام، توجب الخيار للعاقد المغرور كفوات الصفة المشروطة. أما تدليس العيب : وهو كتمان أحد المتعاقدين عيباً خفياً يعلمه في محل العقد عن المتعاقد الآخر في عقود المعاوضة، فهو المسمى عندهم خيار العيب.

      وحكمه : إعطاء المغبون المغرور حق خيار فسخ العقد دفعاً للضرر عنه، نظراً لعدم تحقق رضاه، بسبب التغرير والغبن الفاحش. وإذا مات المغرور بغبن فاحش لا تنتقل دعوى التغرير لوارثه.

      ويسقط حق المغرور في الفسخ للمشتري إذا تصرف في المبيع بعد أن اطلع على الغبن الفاحش، أو بنى بناء في الأرض المشتراة، أو إذا هلك المبيع أو استهلك أو حدث فيه عيب.

      وقال الحنابلة : هناك خيار غبن، وخيار تدليس، وخيار عيب.

      أما خيار الغبن عند الحنابلة فيثبت في ثلاث صور :

      إحداها- تلقي الركبان : وهم القادمون من السفر بجلوبة (وهي ما يجلب للبيع) وإن كانوا مشاة، وهو عند الجمهور : يحرم، وقال الحنفية : يكره، ولو كان تلقيهم بغير قصد التلقي لهم. فإذا اشترى المتلقي منهم أو باعهم شيئاً، ثبت لهم الخيار إذا هبطوا السوق، وعلموا أنهم قد غبنوا غبناً يخرج عن العادة، لقوله عليه السلام : "لا تلقوا الجَلَب فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار" رواه مسلم.

 

      والثانية- النجش : وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها. وهو حرام، لما فيه من تغرير المشتري وخديعته، فهو في معنى الغش، ويثبت للمشتري بالنجش الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد.

      ولا يتم النجش إلا بحذق من زاد في السلعة، وأن يكون المشتري جاهلاً، فلو كان عارفاً واغتر بذلك، فلا خيار له لعجلته وعدم تأمله.

      فإن زاد من لا يريد الشراء بغير مواطأة مع البائع، أو زاد البائع في الثمن بنفسه، والمشتري لا يعلم ذلك، فيخير المشتري لوجود التغرير بين رد المبيع وإمساكه.

 

      الثالثة- بيع المسترسل أو إجارته : وهو الجاهل بالقيمة، من بائع ومشتر، ولا يحسن المماسكة. فله الخيار إذا غبن غبناً غير معتاد. ويقبل قوله بيمينه أنه جاهل بالقيمة، ما لم تكن قرينة تكذبه في دعوى الجهل، فلا تقبل منه.

      وخيار الغبن كخيار العيب على التراخي عندهم.

      وأما خيار التدليس : فهو بسبب التغرير، والعقد معه صحيح، والتدليس حرام وهو نوعان :

      أحدهما- كتمان العيب. ويسمى هذا عند الحنفية خيار العيب.

      والثاني- فعل يزيد به الثمن، وإن لم يكن عيباً، كجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها للبيع، ليزيد دوانها بإرسال الماء بعد حبسه، فيظن المشتري أن ذلك عادتها، فيزيد في الثمن. ومنه تحسين وجه الصبرة (الكومة)، وصقل السكاف وجه الحذاء، وتصنع النساج وجه الثوب، والتصرية أي جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، ونحو ذلك. وهذا النوع هو المسمى عند الحنفية بالتغرير الفعلي في الوصف.

      والتدليس بنوعية يثبت للمشتري خيار الرد إن لم يعلم به، أو الإمساك، لقوله عليه السلام : "لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبيها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها، وصاعاً من تمر" متفق عليه. وغير التصرية من التدليس ملحق بها.

      وقد أخذ الجمهور بضمون هذا الحديث : وهو التخيير بعد الحلب بين إمساك المبيع إن رضيه، وبين رده مع صاع من تمر إن سخطه.

      وقال أبو حنيفة : يرجع المشتري بالنقصان فقط إن شاء.

      وأما خيار العيب عند الحنابلة : فهو بسبب نقص عين المبيع، كخصاء، ولو لم تنقص به القيمة، بل زادت، أو نقص قيمته عادة في عرف التجار، وإن لم تنقص عينه.

 

      5- خيار كشف الحال :

      وهو أن يشتري شيئاً بوزن غير معلوم القدر، أو بكيل غير معلوم المقدار، كأن يشتري بوزن هذا الحجر ذهباً، أو هذه الصبرة (الكومة) كل صاع بكذا، يصح البيع في الحالتين، ويكون للمشتري الخيار : إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه.

 

      6- خيار الخيانة :

      هو الذي يثبت في بيوع الأمانة من تولية أو شركة أو مرابحة أو وضيعة إذا أخبر البائع المشتري بزيادة في الثمن أو نحو ذلك، كإخفاء تأجيله، ثم يظهر كذبه أو خيانته بإقرار أو برهان على ذلك، أو بما عند الحنفية أيضاً بنكول عن اليمين. ويخير المشتري بسبب ذلك عند الحنفية والمالكية بين أخذ المبيع بكل ثمنه، أو رده لفوات الرضا، وله الحط من الثمن قدر الخيانة في التولية.

      وقال الشافعية في الأظهر والحنابلة : لا خيار للمشتري بسبب الخيانة، وإنما له الحط من الثمن مقدار الخيانة.

 

      7- خيار تفرق الصفقة :

      هو الذي يثبت للمشتري بسبب تجزئة المبيع، فيكون له الخيار بين فسخ البيع واسترداد الثمن كله إن دفعه، أو أخذ باقي المبيع مع حسم ما يقابل العيب أو الهلاك من الثمن. وله صور متعددة.

      فيثبت عند الحنفية بهلاك أو تعيب بعض المبيع بيد البائع قبل قبض المشتري، ومجمل حكم الهلاك : أنه إن كان بآفة سماوية أو بفعل البائع يبطل البيع وإن كان بفعل أجنبي يتخير المشتري إن شاء فسخ البيع، وإن شاء أجاز، وضمَّن المستهلك.

      وقال المالكية : يثبت هذا الخيار في حالة كون المبيع معيباً، أو استحقاق بعض مبيع متعدد اشتري صفقة واحدة، فإن كان وجه الصفقة نقضت، ولا يجوز له التمسك بالباقي، وإن كان غير وجهها، جاز التمسك به، وأخذ الباقي بالتقويم، لا بنسبته من الثمن المسمى، فيقال : ما قيمة هذا الباقي ؟ فإذا قيل : ثمانية، قيل : وما قيمة المستحق او المتعيب ؟ فإذا قيل : اثنان، رجع المشتري على بائعه بخمس الثمن الذي دفعه له.

      وقال الشافعية : أن في تفريق الصفقة قولين عند الشافعية، أظهرهما - أن البيع يبطل فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز، لأنه ليس بطلانه فيهما لبطلانه في أحدهما بأولى من تصحيحه فيهما، لصحته في أحدهما، فبطل حمل أحدهما على الآخر، وبقيا على حكمهما، فصح فيما يجوز، وبطل فيما لا يجوز. والقول الثاني أن الصفقة لا تفرق، فيبطل العقد فيهما.

      وقال الحنابلة : معنى تفريق الصفقة : أي تفريق ما اشتراه في عقد واحد : وهو أن يجمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح بيعه، صفقة واحدة بثمن واحد. ولهذا الجمع ثلاث صور:

 

      إحداها- أن يبيع شخص معلوماً ومجهولاً تجهل قيمته أي يتعذر علمه، فلا مطمع في معرفته، مثل : بعتك هذه الفرس، وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا، فلا يصح البيع فيهما، لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، وحمل الفرس لا يمكن تقويمه، فيتعذر التقسيط.

     

      الثانية- أن يبيع شخص مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، فيصح البيع في نصيبه بقسطه، وللمشتري الخيار بين الرد والإمساك إذا لم يكن عالماً بأن المبيع مشترك بينه وبين غيره، لأن الشركة عيب. فإن كان عالماً فلا خيار له وللبائع أيضاً. وللمشتري الأرش إن أمسك فيما ينقصه التفريق، كزوج خف.

     

      الثالثة- أن يبيع رجل متاعه ومتاع غيره بغير إذنه صفقة واحدة، أو يبيع خلاً وخمراً صفقة واحدة، فيصح البيع في متاعه بقسطه دون متاع غيره، ويصح في الخل بقسطه من الثمن، فيوزع على قدر قيمة المبيعين ليعلم ما يخص كلاً منهما. ويقدر الخمر إذا بيع مع الخلّ خلاً، ليقسط الثمن عليهما. ولا خيار للبائع.

      وقال الحنابلة أيضاً : إذا وقع العقد على مكيل أو موزون، فتلف بعضه قبلى قبضه، لم ينفسخ العقد في الباقي، رواية أخرى، ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن.

     

      8- خيار إجازة عقد الفضولي :

      هو الخيار الثابت للمالك إذا باع غيره له سلعة بغير أمره، ويعد البيع موقوفاً عند الحنفية والمالكية، ويخير المالك بين إجازة العقد فيصبح نافذاً، وبين رده فيبطل.

 

      9- خيار تعلق حق الغير بالمبيع :

      هو الخيار الثابت لمن له حق في المبيع من دائن مرتهن أو مستأجر، فإذا اشترى رجل داراً ثم ظهر أنها مرهونة أو مؤجرة، خير بين الفسخ وعدمه، دفعاً للضرر عن نفسه، حتى ولو كان عالماً بذلك.

      فإن أجاز المستأجر أو المرتهن فلا خيار للمشتري، وإن لم يجز ثبت الخيار له بين الانتظار حتى نهاية مدة الإجارة وفكاك الرهن، أو الفسخ.

 

      10- خيار الكمية للبائع :

      هو أن يشتري إنسان بما في الخابية أو الوعاء أو اليد ونحوها، ولا يعرف البائع شيئاً عن الموجود كمية ونوعاً، فيكون البائع بعد فتح الخابية أو الوعاء أو اليد مخيراً بين إمضاء البيع وفسخه بعد رؤية الثمن. وهذا يسمى عند الحنفية خيار كمية، لا خيار رؤية، لأن خيار الرؤية لا يثبت في النقود.

 

      11- خيار الاستحقاق :

      هو الخيار الثابت للمشتري بسبب استحقاق المبيع كله أو بعضه، وتفصيله عند الحنفية : إن كان استحقاق المبيع قبل قبض الكل خير في الكل، وإن كان استحقاقه بعد القبض خيِّر في الشيء القيمي، لا في المثلي كالمكيل والموزون. وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع قبل القبض، يبطل العقد في الجزء المستحق، ويخير المشتري في أخذ الجزء الباقي بحصته من الثمن أو رده.

      وإن كان الاستحقاق لبعض المبيع بعد القبض، يبطل البيع في الجزء المستحق أيضاً، وأما الجزء الباقي فيخير المشتري في قبول الباقي بحصته من الثمن إن أضره التبعيض كالثوب والدار، ويلتزم بالباقي إن لم يضره التبعيض كالمكيل والموزون.

      وذلك كله إن لم يجز المستحق البيع، فإن أجازه، لزم البيع، إذ لا ضرر بالتبعيض.

 

      12- خيار الشرط

      خطة الموضوع :

      المطلب الأول- الخيار المفسد للبيع والخيار المشروع :

      الخيار المفسد : اتفق الحنفية والشافعية والحنابلة في الصحيح من مذهبهم على أن العاقدين إذا ذكرا الخيار مؤبداً، كأن يقول أحدهما : "بعت، أو اشتريت على أني بالخيار أبداً" أو ذكر الخيار مطلقاً، كأن يقول أحدهما : "على أني بالخيار أو متى شئت" أو ذكرا وقتاً مجهولاً كقدوم زيد، أو هبوب ريح، أو نزول مطر، أو أياماً، فإن العقد غير صحيح لوجود الجهالة الفاحشة.

      إلا أن الشافعية والحنابلة قالوا : العقد باطل. وقال الحنفية : العقد فاسد فقط، فإذا أسقط الشرط قبل مضي مدة ثلاثة أيام، أو حذف الزائد، أو بينت مدة الخيار، صح البيع، لزوال المفسد.

      وقال مالك وأحمد في رواية عنه : يجوز الخيار المطلق، إلا أن الإمام أحمد قال فيه : "وهما على خيارهما أبداً، أو يقطعاه، أو تنتهي مدته". وقال الإمام مالك : السلطان يحدد له مدة كمدة خيار مثله في العادة، لأن اختيار المبيع في مثله مقدَّر في العادة، فإذا أطلق الخيار حمل على المعتاد، ويفسد البيع عند المالكية إذا وقع بشرط مدة زائدة على مدته بكثير "أي بعد يوم" أو بشرط مدة مجهولة كإِلى أن تمطر السماء أو يقدم زيد.

     

      الخيار المشروع : وهو أن يذكر وقت معلوم، وقد ثبتت مشروعية خيار الشرط بحديث حبان بن منقذ الذي كان يغبن في البيع والشراء، فشكا أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : "إذا بايعت فقل : لا خلابة(1) وليّ الخيار ثلاثة أيام" رواه البخاري ومسلم ولمساس الحاجة إليه لدفع الغبن. وخيار الشرط مشروع عند جمهور الحنفية، سواء أكان الشرط العاقد أم لغيره لتحقيق حاجة الناس. ولا يجوز الخيار والأجل في البيوع التي فيها الربا : وهي عقد الصرف، وبيع المكيل والموزون عند الحنفية، والطعام بالطعام عند الشافعية، لأنه يشترط فيها القبض قبل التفرق بالأبدان، وذكر الخيار أو الأجل ينافي القبض.

 

      المطلب الثاني- آراء الفقهاء في مدة الخيار المشروع :

      قال أبو حنيفة والشافعي : يجوز شرط الخيار في مدة معلومة لا تزيد على ثلاثة أيام، لأن الأصل امتناع الخيار، لكونه مخالفاً لوضع البيع، فإنه يمنع نقل الملك أو لزومه، إلا أنه ثبت على خلاف هذا الأصل بحديث حبان بن منقذ السابق ذكره.

      ويبطل العقد عند الشافعي. وكونه لا يجوز أكثر من ثلاثة، لأنه غرر، وفيما دون الثلاث رخصة، فلا يجوز الزيادة عليها، وفي الجملة : إن الخيار ينافي مقتضى البيع لولا ثبوته بالشرع.

      وعند الحنابلة وفي رواية في المذهب الحنفية : يجوز اشتراط مدة الخيار بحسب ما يتفق عليه البائع والمشتري من المدة المعلومة، قلَّت مدته أو كثرت. ودليلهم ما روي أن ابن عمر "أجاز الخيار إلى شهرين" ولأن الخيار حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه، كالأجل. وبعبارة أخرى: إن مدة الخيار ملحقة بالعقد، فكانت إلى تقدير المتعاقدين كالأجل.

      وقال المالكية : يجوز الخيار بقدر ما تدعو إليه الحاجة، ويختلف ذلك باختلاف الأمور، فالفاكهة التي لا تبقى أكثر من يوم لا يجوز شرط الخيار فيها أكثر من يوم، والثياب أو الدابة : ثلاثة أيام، والأرض التي لا يمكن الوصول إليها في ثلاثة أيام يجوز شرط الخيار فيها أكثر من ثلاثة أيام، والدار ونحوها تحتاج مدة شهر.

(1) لا خديعة.

      المطلب الثالث- طرق إسقاط الخيار :

      العقد الذي فيه الخيار عقد غير لازم، ويصبح لازماً إذا سقط الخيار بعد ثبوته، وطرق الإِسقاط ثلاثة :

      1- الإسقاط الصريح : هو أن يقول صاحب الخيار : أسقطت الخيار أو أبطلته أو أجزت البيع أو رضيت به، ونحوها، فيبطل الخيار، سواء علم المشتري بالإِجازة أو لم يعلم، لأن الخيار شرع للفسخ، فإذا سقط يبطل الخيار رجوعاً إلى الإصل في العقد : وهو لزومه ونفاذه.

      وكذلك يسقط الخيار إذا قال من له الحق فيه : "فسخت العقد، أو نقضته، أو أبطلته" لأن الخيار هو التخيير بين الفسخ والإِجازة، فأيهما وجد سقط الخيار.

 

      2- الإسقاط دلالة : وهو أن يوجد ممن له الخيار تصرف يدل على إجازة البيع وإثبات الملك، فالإقدام عليه يكون إجازة للبيع دلالة.

      وبناء على هذا :

      إذا كان الخيار للمشتري، والمبيع في يده، فعَرَضه على البيع، يبطل خياره، لأن عرض المشتري المبيع على البيع معناه اختيار التملك وهو يكون بابطال الخيار.

      وإذا كان الخيار للبائع فعَرَضه على البيع، فالأصح من الروايتين عن أبي حنيفة : أن يكون إسقاطاً للخيار، لأنه دليل على اختيار إبقاء الملك في المبيع.

      وكذلك يسقط خيار المشتري إذا باع الشيء الذي اشتراه أو رهنه أو وهبه - سلم أو لم يسلم - أو آجره، لأن نفاذ هذه التصرفات مختص بقيام الملك، فيكون الإقدام عليها دليلاً على قصد إبقاء الملك، وهو يتم بإجازة البيع.

      ويسقط الخيار أيضاً بهذه التصرفات في الثمن إذا صدرت من البائع الذي له الخيار، إذ أنه لا تصح هذه التصرفات إلا بعد نقض التصرف الأول.

      إلا أن هناك فرقاً بين البائع والمشتري بالنسبة لتسليم الهبة والرهن، فإنه إذا كان الخيار للبائع لا يسقط في الهبة والرهن إلا بعد التسليم بخلاف المشتري كما عرفنا.

      وأما الإجازة فلا فرق فيها بين البائع والمشتري، فإنها تسقط الخيار من غير شرط القبض، لأنها عقد لازم، بخلاف الرهن والهبة قبل القبض، فإنهما عقدان غير لازمين.

      ومن مسقطات الخيار دلالة : أن يُسكن المشتري الدار المبيعة رجلاً بأجر أو بغير أجر، أو يرمم شيئاً منها بالتطيين أو التجصيص، أو يحدث فيها بناء أو يهدم شيئاً منها، لأن هذه التصرفات دليل اختيار الملك.

      ومن مسقطات الخيار دلالة أيضاً : أن يسقي المشتري الزروع والثمار أو يحصدها أو يقطع منها شيئاً لدوابه، لأنه يعد إجازة للبيع واختياراً للتملك كما ذكرنا.

      أما ركوب الدابة لسقيها أو لردها على البائع، فلا يسقط الخيار استحساناً، لأن الدابة قد لا يمكن تسييرها إلا بالركوب، ويسقط قياساً، لأن الركوب دليل اختيار الملك.

      وكذا ركوب السيارة لينظر إلى سيرها وقوتها، لا يسقط الخيار.

      وكذا أيضاً لبس الثوب لينظر إلى طوله وعرضه لا يسقط الخيار، لاحتياجه إلى التجربة والاختبار، أما لبسه ثانية لنفس الغرض الأول، فيسقط الخيار.

      ويرى بعض مشايخ الحنفية أن ركوب السيارة للمرة الثانية لنفس الغرض الأول : لا يسقط الخيار، لأن الاختبار لا يحصل بالفعل مرة، لاحتمال وقوع ذلك صدفة، فيحتاج إلى معرفة العادة الثابتة، بخلاف الثوب : فإن الغرض يحصل بالمرة الواحدة.

 

      3- إِسقاط الخيار بطريق الضرورة :

      يسقط الخيار ضرورة بأمور :

 

      1- مضي مدة الخيار : يسقط الخيار بمضي مدته دون اختيار فسخ العقد، لأن الخيار مؤقت بها، فيبقى العقد بلا خيار، فيصبح لازماً.

      وكذلك قال الشافعية والحنابلة : يسقط الخيار إذا انقضت مدته، ولم يفسخ أحدهما العقد ويصبح لازماً، لأن مدة الخيار ملحقة بالعقد فبطلت بانقضائها كالأجل، ولأن الحكم ببقائها يفضي إلى بقاء الخيار في غير المدة المشروطة، والشرط سبب الخيار، فلا يجوز أن يثبت به ما لم يتناوله، ولأنه حكم مؤقت، فصار بفوات وقته كسائر المؤقتات، ولأن البيع يقتضي اللزوم، وإنما تخلَّف موجبه بالشرط، ففيما لم يتناوله الشرط يجب أن يثبت موجبه لعدم وجود ما ينافي مقتضى العقد كما لو أمضوا العقد.

      وقال الإمام مالك : لا يلزم البيع بمضي المدة بل لا بد من اختيار أو إجازة، لأن مدة الخيار جعلت حقاً لصاحب الخيار لا واجباً عليه، فلم يلزم الحكم بنفسه مرور الزمان، كمضي الأجل في حق المولى بالنسبة للمكاتب، لا يلزم المولى بالعتق بمجرد مضي المدة.

     

      2- موت المشروط له الخيار :

      إذا مات المشروط له الخيار، يسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أو لهما، ويصير العقد لازماً، لأنه وقع العجز عن الفسخ، فيلزم ضرورة.

      أما خيار الشرط فاختلفوا في إرثه :

      فقال الحنفية : لا يورث خيار الشرط، وإنما يسقط بموت المشروط له.

      والخلاصة : أن خيار القبول والإجازة في بيع الفضولي والأجل وخيار الشرط لا يورث. أما خيار العيب والتعيين والقصاص وخيار الرؤية وخيار الوصف وخيار التغرير، فإنه يورث.

      وقال الحنابلة : المذهب أن خيار الشرط يبطل بموت صاحبه، ويبقى خيار الآخر بحاله، إلا أن يكون الميت قد طالب بالفسخ قبل موته في مدة الخيار، فيكون حينئذ لورثته.

      وقال المالكية والشافعية : إذا مات صاحب الخيار : فلورثته من الخيار مثل ما كان له، لأن الخيار حق ثابت لضمان صلاحية المال المشترى، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ونحوها من الحقوق المالية، فينتقل إلى الوارث كالأجل وخيار الرد بالعيب، ولأنه حق فسخٍ للبيع، فينتقل إلى الوارث كالرد بالعيب، والفسخ بالتحالف.

     

      3- ما هو في معنى الموت : كالجنون والإغماء والنوم والسُكْر والردة واللحاق بدار الحرب. فإذا ذهب عقل صاحب الخيار بالجنون أو بالإغماء، في مدة الخيار، ومضت المدة على تلك الحال صار العقد لازماً لأنه عجز عن الفسخ فتزول فائدة الخيار، فإن أفاق في مدة الخيار، بقي الخيار، لإِمكان ممارسة حق الفسخ والإجازة وهذا عند الحنفية.

      وقال الشافعية والحنابلة : لو جن صاحب الخيار أو أغمي عليه أو أصابه خرس فلم تفهم إشارته، ينتقل الخيار إلى وليه من حاكم أو غيره.

 

      4- هلاك المبيع في مدة الخيار : فيه تفصيل، لأن الهلاك إما أن يكون قبل القبض أو بعد القبض، والخيار إما للبائع، أو للمشتري.

      آ- فإن هلك المبيع قبل القبض أي (في يد البائع) بطل البيع وسقط الخيار، سواء أكان الخيار للبائع أم للمشتري، أم لهما معاً، لأنه لو كان العقد باتاً لبطل البيع بسبب العجز عن التسليم، فيبطل إذا كان فيه خيار شرط من باب أولى.

      ب- وإن هلك المبيع بعد القبض أي "في يد المشتري" : فإن كان الخيار للبائع، فيبطل البيع أيضاً، ويسقط الخيار، ولكن يلزم المشتري القيمة إن لم يكن له مثل، والمثل إن كان له مثل.

      وإن كان الخيار للمشتري فهلك المبيع بفعل المشتري أو البائع أو بآفة سماوية : لا يبطل البيع، ولكن يسقط الخيار، ويلزم البيع، ويهلك على المشتري بالثمن، لأن المشتري وإن لم يملك المبيع عند أبي حنيفة إلا أنه اعترض عليه في يده ما يمنع الرد وهو التعيب بعيب لم يكن عند البائع، لأن الهلاك في يده لا يخلو عادة عن سبب له، وهذا السبب يكون عيباً، وتعيب المبيع في يد المشتري يمنع الرد، ويلزم البيع إذ لا فائدة من بقاء الخيار، فيهلك بالثمن، لأن العقد قد انبرم.

      وقال الشافعية كالحنفية فيما إذا حدث الهلاك بآفة سماوية قبل القبض: ينفسخ البيع ويسقط الخيار، كما ينفسخ العقد ويسقط الخيار إذا كان الهلاك بعد القبض ويضمن المشتري القيمة إذا كان الخيار للبائع.

      فإن كان الخيار للمشتري فيقرر الشافعية أنه يضمن المبيع في هذه الحالة بقيمته، لأنه إن فسخ البيع تعذر رد العين، فوجب رد القيمة، وإن أمضى العقد فقد هلك من ملكه فيجب عليه قيمته.

      وقال المالكية : إن هلك المبيع بيد البائع، فلا خلاف في ضمانه إياه وينفسخ البيع. وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية :

      إن كان المبيع مما يغاب عليه "أي يمكن اخفاؤه" كالحلي والثياب، فيضمن المشتري للبائع الأكثر من ثمنه الذي بيع به، أو القيمة، لأن من حق البائع إمضاء البيع إن كان الثمن أكثر، ورد البيع إن كانت القيمة أكثر، إلا إذا ثبت الهلاك ببينة فلا يضمن المشتري.

      وإن كان المبيع مما لا يغاب عليه "أي لا يمكن اخفاؤه" كالدور والعقارات فالبائع يضمنه، حيث لا يظهر كذب المشتري.

      وقال الحنابلة : إن تلفت السلعة في مدة الخيار قبل القبض، وكان المبيع مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وضمنه البائع، ويبطل خيار المشتري.

      وإن كان المبيع غير مكيل ولا موزون ولم يمنع البائع المشتري من قبضه، فظاهر المذهب أنه من ضمان المشتري، ويكون كتلفه بعد القبض.

      وأما إن تلف المبيع بعد القبض في مدة الخيار، فهو من ضمان المشتري، ويبطل خياره. وأما خيار البائع ففيه روايتان :

      إحداهما : يبطل كخيار الرد بالعيب إذا تلف المبيع، وهو اختيار الخرقي وأبي بكر.

      والثانية : لا يبطل، وللبائع فسخ البيع، ومطالبة المشتري بالقيمة.

     

      5- تعيب المبيع : فيه تفصيل أيضاً، لأن الخيار إما أن يكون للبائع أو للمشتري.

      آ- فإن كان الخيار للبائع : فيسقط خياره إذا تعيب المبيع بآفة سماوية أو بفعل البائع، سواء أكان المبيع في يد البائع أم في يد المشتري، لأنه هلك بعض المبيع بلا بدل عنه، إذ لا يجب الضمان على البائع، لأن المبيع ملكه، فينفسخ البيع في هذا البعض، ولا يمكن بقاء العقد في الجزء الباقي، لما يترتب عليه من تفريق الصفقة على المشتري قبل تمام العقد، وهو لا يجوز.